الاثنين، 1 مارس 2010

بقايا من مرايا: توطئة في ظاهرة الالتفات

يذكر ابن منظور في مادة (ل.ف.ت) أنَّ: لفت وجهه عن القوم: صرفه، والتفت التفاتًا، والتَّلَفُّتُ أكثر منه. وتلفَّتَ إلى الشيء والتفت إليه: صرف وجهه إليه ... ويُقال: لفتُّ فلانًا عن رأيه: أي صرفته عنه"([1]).

ومن هذا المعنى المعجمي استقى المفهوم البلاغي للالتفات تسميته؛ فـ"حقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله؛ فهو يُقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا"([2]).

ويلاحظ أن مصطلحات عدة، مثل: "مخالفة ظاهر القول لمعناه"([3])، و"الصرف"([4])، و"الاعتراض"([5])، و"الاستدراك"([6]) كلها تدور حول مفهوم "الانصراف من معنى ... إلى آخر"([7]).

وبمنظور شكلي يتجلى هذا الانصراف أو الانتقال في المعنى –في الأساس- من خلال التغير في أنساق التكرار والتتابع لمجموعة محددة من العناصر والصيغ ، تتمثل هذه العناصر في: الضمائر، وصيغ الفعل. أما الضمائر؛ فمن حيث دلالتها على التكلم أو الخطاب أو الغيبة، وكذا على عدد المرجع.

أ- الضمائر من حيث دلالتها على(التكلم- الخطاب- الغيبة). ويتحقق الالتفات نتيجة كسر تتابع ضمير الكلام لصالح ضمير الخطاب أو لصالح ضمير الغيبة، والعكس؛ ومن ثم تشير القسمة العقلية إلى

الانتقال من ضمير الكلام إلى ضمير الخطاب.
الانتقال من ضمير الكلام إلى ضمير الغيبة.
الانتقال من ضمير الخطاب إلى ضمير الكلام.
الانتقال من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
الانتقال من ضمير الغيبة إلى ضمير الكلام.
الانتقال من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب.
ويشترط في هذا النمط من الالتفات "أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدًا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه"([8]).

ب- الضمائر من حيث اقترانها بالدلالة على عدد المرجع (الإفراد- التثنية- الجمع). ويتحقق الالتفات نتيجة كسر تتابع ضمير الإفراد لصالح ضمير مقترن بعلامة التثنية أو لصالح ضمير يقترن بعلامة الجمع. والعكس صحيح؛ وبالتالي تشير القسمة العقلية إلى ست صور:

الانتقال من ضمير الإفراد إلى ضمير يقترن بعلامة التثنية.
الانتقال من ضمير الإفراد إلى ضمير يقترن بعلامة الجمع.
الانتقال من ضمير يقترن بعلامة التثنية إلى ضمير الإفراد.
الانتقال من ضمير يقترن بعلامة التثنية إلى ضمير يقترن بعلامة الجمع.
الانتقال من ضمير يقترن بعلامة الجمع إلى ضمير الإفراد.
الانتقال من ضمير يقترن بعلامة الجمع إلى ضمير يقترن بعلامة التثنية.(*)
وأما صيغ الفعل؛ فيقع فيها الالتفات طبقًا لدلالتها على الزمن (ماضٍ- حاضر- مستقبل). وتفضي القسمة العقلية إلى ست صور:

الانتقال من صيغة الماضي إلى صيغة الحاضر.
الانتقال من صيغة الماضي إلى صيغة المستقبل.
الانتقال من صيغة الحاضر إلى صيغة الماضي.
الانتقال من ضمير الحاضر إلى صيغة المستقبل.
الانتقال من صيغة المستقبل إلى صيغة الماضي.
الانتقال من صيغة المستقبل إلى صيغة الحاضر.
ويُلاحظ أن للتغيرات في هذه العناصر والصيغ الصرفية صنوًا من التغيرات في طبيعة العلاقات الجملية؛ وذلك بالانتقال من جملة (الإنشاء – الخطاب) إلى الإخبار عن الذات أو إلى الإخبار عن الغائب، والعكس صحيح، وينتج عن ذلك أيضًا ست صور: (*)

الانتقال من (الإنشاء - الخطاب) إلى الإخبار عن الذات.
الانتقال من (الإنشاء - الخطاب) إلى الإخبار عن الغائب.
الانتقال من الإخبار عن الذات إلى الإخبار عن الغائب.
الانتقال من الإخبار عن الذات إلى (الإنشاء - الخطاب).
الانتقال من الإخبار عن الغائب إلى الإخبار عن الذات.
الانتقال من الإخبار عن الغائب إلى (الإنشاء - الخطاب).
***

كما تتيح طبيعة العلاقات السياقية النصية (ظهور- إحداث) نمط من التغيرات الدلالية يمكن إدراجها- على سبيل التوسع- ضمن ظاهرة الالتفات؛ وهو ما يتبدى في "إسناد الممكنات الإنسانية إلى ما هو مجرد"([9])

عن "طريق الضمير مباشرة"([10])، أو عن طريق الاقتران بصيغ الطلب؛ فيما يعرف بـ"التفات التشخيص".

وإن كان من الملاحظ أن علاقة التشخيص هذه ألصق وأوثق عرى بالمستوي التصويري للنص منها بمستوى النسيج اللغوي.

***

ويشي هذا التوسيع لمفهوم الالتفات بمنظورٍ مغالٍ في التجريد إزاء (الانصراف من معنى... إلى آخر)؛ فالالتفات من العاقل إلى غير العاقل ينصرف إلى دلالة [التشخيص]، بينما الالتفات بين ضمائر الكلام والغيبة والخطاب يتناول ثنائية [الحضور – الغياب]، وهو ما ينماز عن الالتفات بين الإفراد والتثنية والجمع الذي يشير إلى دلالة [العدد] ويصحُّ أن يسمى التفاتًا عدديًا، وهو يختلف بدوره عن الالتفات بين صيغ الفعل [ماضٍ – حاضر- مستقبل] التي تشير إلى دلالة [الزمن] ومن ثم يصحُّ أن تخصص هذه الصورة بتسمية الالتفات الزمني.

وقد حدا التباين بين هذه التجليات والدلالات وبعضها طائفة من البلاغيين والباحثين إلى تضييق مفهوم الالتفات بحيث تقتصر على الالتفات بين ضمائر الكلام والخطاب والغياب.

***

ومن جهة أخرى يُلاحظُ أن نسق التعاقب بين العناصر والصيغ- التي تتجلى من خلالها ظاهرة الالتفات- يتيح التمييز بين نمطين من الالتفات. الأول منهما ينتج عن "التعاقب البسيط" أو "أحادي الاتجاه" بين عنصرين أو أكثر- بحيث يتم الانتقال من الضمير (أ) إلى الضمير (ب) دون الرجوع إلى الأول حتى نهاية النص، أو بحيث يتم الانتقال من صيغة الفعل (أ) إلى الصيغة (ب) دون الرجوع إلى الأولى حتى نهاية النص على سبيل المثال- وهذا النمط من الالتفات من الممكن أن يطلق عليه "الالتفات البسيط" أو "أحادي الاتجاه".

أما النمط الثاني فينتج عن التقاطع بين عنصرين صرفيين أو أكثر- بحيث يتم الانتقال من الضمير (أ) إلى الضمير (ب)، مثلًا، ثم العودة إلى الضمير (أ) على امتداد النص، أو بحيث يتم الانتقال من صيغة الفعل (أ) إلى الصيغة (ب)، مثلًا، ثم العودة إلى الصيغة الأولى في ثنايا النص- وهذا النمط من الالتفات من الممكن أن يطلق عليه "الالتفات المركب" أو "الارتدادي" (*).

ويُلاحظ أن تسمية الالتفات "اعتراضًا" تكتسب شرعيتها استنادًا إلى هذا النمط الارتدادي، ومن الممكن أن يقتصر هذا الاعتراض على مجرد ضمير ٍ أو صيغة فعل- أو حتى جملة خطاب اعتراضية- يكسر تتابع ضميرٍ أو صيغة فعل أخرى- أو تتابع جمل خبرية- وقد يمتد هذا الاعتراض ليشمل أكثر من ضمير معين أو صيغة فعل معينة- أو أكثر من جملة خطاب مثلًا- فيصير الالتفات في هذه الحالة التفاتًا ممتدًا ([11]).

***

أما بخصوص الباعث على الالتفات والغاية منه فيُلاحظ أن غاية "تطرية نشاط السامع"([12])- فضلًا عن قصد تعظيم الشأن، والتأدب مع المخاطب، والمبالغة والتوبيخ (*)- لا تستغرق كل بواعث الالتفات وغاياته، التي تتحدَّد طبقًا لسياق وروده، وتبعًا لـ"العناية بالمعنى المقصود، وذلك ... يتشعب شعبًا كثيرة لا تنحصر"([13])، وقد تشمل هذه البواعث والغايات إلحاح الفكرة وضغطها على الشاعر، وربما تشمل الاحتراس من تعميم حكمٍ ما وغيرها من البواعث والغايات التي تحكم ظاهرة الالتفات وتتضح من خلال السياق.

***

وينصرفُ البحث في معالجته ظاهرة الالتفات في شعر الدريني إلى الالتفات بين ضمائر الكلام والخطاب والغياب؛ بوصفها ألصق الأنماط بمفهوم الالتفات، ونظرًا لخطورة الدور الذي تقوم به هذه الضمائر وتحولاتها في النص الشعري؛ فالضمائر...

وتطمح الدراسة إلى استجلاء صور الالتفات بين ضمائر الكلام والخطاب والغياب في شعر الدريني- أي أنماط تحولات هذه الضمائر- وكذا ستحاول الدراسة مقاربة هذه التحولات لاستكشاف فاعليتها في نصوص الدريني؛ مما يتطلب قراءتها في ظل السياقات الواردة فيها.



--------------------------------------------------------------------------------

[1]) ) لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، د.ط، د.ت:2/84، مادة (لَفَتَ).

[2]) ) المثل السائر، ابن الأثير، تح: د. أحمد الحوفي، د. بدوي طبانة، مط: دار نهضة مصر، القاهرة، د.ط، جـ 2/167.

[3]) ) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة (ت 276 هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث، ط2، 1393هـ - 1973م، صـ275.

[4]) ) البرهان في وجوه البيان، ابن وهب (ت 335 هـ)، تح: عبد الحميد العبادي، المطبعة الأميرية ببولاق، ط2، 1941، صـ162.

[5]) ) العمدة، ابن رشيق القيرواني (ت 463 هـ)، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط4، 1972 : 2/45.

[6]) ) السابق، نفسه.

[7]) ) البديع، لابن المعتز (ت 296 هـ)، نشره وعلق عليه اغناطيوس كراتشقوفسكي، منشورات دار المسيرة، بيروت ، ط 3، ت 1982، صـ 58

[8]) ) "البرهان في علوم القرآن"، الزركشي (ت 794 هـ )، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث، القاهرة، د.ت، د.ط، جـ 3، صـ 331

* ينظر في ذلك التقسيم والذي يليه كتاب "البرهان في علوم القرآن"، الزركشي (ت 794 هـ )، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، السابق، صـ314 – 337، ويلاحظ أنه أراد بقوله: (المستقبل) التعبير عن صيغة المضارعة للفعل.

* ينظر في ذلك التقسيم كتاب "بديع القرآن"، ابن أبي الإصبع المصري، تحقيق: حفني محمد شرف، دار نهضة مصر، القاهرة، د.ط.، د.ت.، من صـ42 إلى صـ45.

[9]) ) اللغة الشعرية، محمد كنّوني، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1997، صـ 232

[10]) ) اللغة الشعرية، السابق، صـ195

* وقريب من ذلك ما ورد في: "بديع القرآن"، السابق صـ45.وخصه ابن أبي الإصبع بتسمية "التفات الضمائر"، بعدما ذكر أنه يتحقق حين يقدم المتكلم في كلامه مذكورين مرتبين، ثم يخبر عن الأول منهما، وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني، ثم يعود فينصرف عن الإخبار عن الثاني إلى الإخبار عن الأول... وهذا يحسن أن يسمى التفات الضمائر، والله أعلم".

[11]) ) ينظر الالتفات في القرآن ، الشاذلي الهيشري، حوليات الجامعة التونسية، تونس، ع32، د.ط، د.ت، 1991: 149.

[12]) ) الكشاف، الزمخشري 1 : 64 ، ؟؟؟؟.

* ينظر في ذلك: "البرهان في علوم القرآن"، الزركشي (ت 794 هـ )، السابق، جـ 3، صـ326 – 330

[13]) ) المثل السائر، ابن الأثير، السابق، جـ 2/170.